الدكتورة نادية مصطفى تكتب: تدهور الوضع الأمني علي الحدود السورية الإسرائيلية في حرب 67 .. ( الرسالة الثانية )

رئيس مجلس الإدارة:محمود علىرئيس التحرير: شريف سليمان
القبض على رجل حاول الاعتداء علي طفلة بحلب مرسوم خاص بالأسواق القديمة والتراثية في محافظات حلب وحمص ودير الزور إجراء الاختبارات مع Meteor على اليوروفايتر لأول مرة | نظام ملاحة مدعوم بالذكاء الاصطناعي من Rheinmetall عودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين إسرائيل وتركيا شركة Elbit Systems تحصل على عقودًا بقيمة 240 مليون دولار لترقية الخزانات للعملاء الدوليين وزيرة الدفاع الإسبانية تزور المجموعة الثالثة والأربعين للقوات الجوية الصادرات الإسبانية ترتفع بنسبة 24.8٪ في النصف الأول من عام 2022 الحكومة تطلق دعوة للمساعدة في التطوير التجريبي لتطبيقات 5G في القطاعات الاقتصادية وزارة النقل تنشر شروط بيع واستخدام اشتراكات Cercanías و Rodalies و Media Distancia التقليدية المجانية للمسافرين ضبط مركب شراعي يحمل 400 كيلوغرام من الكوكايين في المحيط الأطلسي على بعد 500 ميل من جزر الأزور القوات المسلحة توقع بروتوكول تعاون مع جامعة الأسكندرية لدعم المنظومة التعليمية والبحثية

مقالات

الدكتورة نادية مصطفى تكتب: تدهور الوضع الأمني علي الحدود السورية الإسرائيلية في حرب 67 .. ( الرسالة الثانية )

الدكتورة/ نادية مصطفى
الدكتورة/ نادية مصطفى

في السابع من ابريل عام ١٩٦٧ اشتعل الموقف العسكري بين سوريا واسرائيل، ليس بالقرب من المناطق الحدودية المنزوعة السلاح كما كان يحدث من قبل، وانما بالغارة الاسرائيلية الجوية الضخمة علي العاصمة السورية دمشق ، والتي استخدمت فيها اسرائيل طائرات الميراج الفرنسية المقاتلة التي قامت بالاشتباك مع المقاتلات السورية في قتال جوي واسع استطاعت مقاتلات الميراج ان تسقط فيه ست طائرات ميج - ٢١ سوفيتية الصنع مرة واحدة ، وهو الحدث الذي كانت له اصداؤه الاقليمية والدولية المدوية ، نظرا لما انطوي عليه من دلالات استراتيجية بالغة الاهمية كان ابرزها تاكد تفوق اسرائيل الجوي الساحق ، ومن انه في اي حرب قادمة بين سوريا واسرائيل، فان سوريا لن تصمد بقوتها العسكرية المحدودة امامها.. ومن ثم، كان علي الاتحاد السوفيتي ان يبحث لنفسه عن حل سريع يخرجه من هذه الورطة الصعبة ويجنبه مخاطر التدخل العسكري المباشر الي جانب حليفه السوري الذي لم يعد قادرا علي مواجهة اسرائيل بامكاناته وحده .. وكانت مصر هي الحل.

ومن هنا، سارع وزير الخارجية السوفيتية اندريه جروميكو لزيارة القاهرة ، وليحاول بتكليف من القيادة السياسية العليا في موسكو اقناع الرئيس عبدالناصر بسحب قواته من اليمن بدون ابطاء ، والاكثر من ذلك هو ان الوزير السوفيتي حمل معه خطة تفصيلية شاملة لكيفية تنفيذ هذا الانسحاب المصري من الاراضي اليمنية كان الخبراء العسكريون السوفيت قد وضعوها علي نحو قيل انه كان يحفظ لمصر كرامتها في هذه العملية، كما كان يضمن في الوقت نفسه اعادة تحريك هذه القوات والدفع بها الي شبه جزيرة سيناء تحسبا لكافة الاحتمالات التي يطرحها الموقف المتدهور علي طول خطوط المواجهة ، وايضا لتمكين مصر من الوفاء بالتزامها بالدفاع عن سوريا بموجب ميثاق الدفاع العسكري المشترك الموقع بينهما في نوفمبر عام ١٩٦٦ .. وهو ما يدل علي ان كل تلك الخطط والافكار والمبادرات السوفيتية التي طرحها جروميكو علي الرئيس عبدالناصر خلال زيارته للقاهرة كانت جاهزة قبل الاشتباك الجوي الاخير فوق دمشق ، وكانت تنتظر اللحظة المناسبة لابلاغها الي القاهرة للنظر في تنفيذها.. او بالاحري لتنفيذها.

وبالاضافة الي ما سبق ، فقد سال جروميكو الرئيس عبدالناصر عما اذا كانت ما تزال هناك حاجة للاحتفاظ بالقوات الدولية التابعة للامم المتحدة والمرابطة في مواقعها في سيناء وقطاع غزة منذ نهاية حرب السويس ، وابلغه ان الاتحاد السوفيتي يري ان هذا المبرر لم يعد قائما لتغير الظروف التي دعت اليه وقتها ، وبالتالي فقد طلب من الرئيس عبدالناصر ان يعيد النظر في موقفه من هذه القوات الدولية وان يسحب قراره السابق بالموافقة علي بقائها في الاراضي المصرية.. نعم الي هذا الحد كان تدخل الاتحاد السوفيتي في كل التفاصيل علي النحو الذي اشرنا اليه حتي يلقي بعبء المواجهة العسكرية القادمة مع اسرائيل بكامله علي عاتق مصر بذريعة الدفاع عن سوريا بمَوجب ميثاق الدفاع المشترك اياه وليبقي هو بعيدا عن المواجهة كي لا يصطدم رغما عنه بالقوة العسكرية الامريكية، وهو الاساس الذي بني عليه خططه وحساباته وادار منه سياساته وتحركاته في المنطقة .

وفي مطلع مايو ١٩٦٧ واثناء زيارة قام بها وفد من مجلس الامة المصري برئاسة السادات الي الاتحاد السوفيتي ، ابلغ رئيس مجلس السوفيت الاعلي نيكولاي بودجورني اعضاء الوفد بان اسرائيل تحشد قواتها علي الجبهة السورية وان الهدف من هذه الحشود الاسرائيلية هو لمهاجمة سوريا وغزوها ، وطلب من الوفد ابلاغ القيادة السياسية في مصر عن هذه الخطط العسكرية الاسرائيلية علي الفور حتي تكون مستعدة لمواجهة كافة الاحتمالات علي الجبهة المصرية.. وكانت الاشارة هنا بالطبع لميثاق الدفاع المشترك المصري السوري وما كان يفرضه علي مصر من التزامات دفاعية تجاه سوريا اكثر مما كان يفرضه علي سوريا من التزامات دفاعية تجاه مصر ، وهي التي لم تكن تستطيع الدفاع عن نفسها.

اما عن حقيقة تلك الحشود العسكرية الاسرائيلية بالشكل الذي صوره السوفيت للرئيس عبدالناصر ، فانه وطبق ما جاء علي لسان الامين العام للامم المتحدة يو ثانت وقتها وتحديدا في ١٩ مايو ١٩٦٧ والازمة في ذروتها ، من ان التقارير التي تلقاها من مراقبي الامم المتحدة في المنطقة قد خلت من اي اشارة الي وجود مثل هذه الحشود العسكرية او الي اية تحركات غير عادية للقوات الاسرائيلية علي طول الحدود السورية الاسرائيلية.. وانه مندهش مما كان يسمعه عنها.. وكانه اراد ان يقول ان مزاعم الاتحاد السوفيتي وتهويلاته عن هذه الحشود العسكرية الاسرائيلية كانت بلا اساس.. وان السبب الذي كان يدعوه لذلك يبقي امرا غير مفهوم.

وكانت مصر وبالحاح من الاتحاد السوفيتي عليها قد طلبت في ١٦ مايو ١٩٦٧ من الامين العام للامم المتحدة يو ثانت سحب قوات حفظ السلام الدولية من كافة المواقع التي كانت ترابط فيها علي طول الحدود المصرية الاسرائيلية وكذلك من منطقة شرم الشيخ عند مدخل خليج العقبة، وهو ما استجاب له علي الفور رغم النصائح التي اطلقها فور تلقيه الطلب ودعا فيها الرئيس عبد الناصر الي التريث تحسبا للعواقب المحتملة لهذا الاجراء الكبير ولانه اذا دخل مرحلة التنفيذ فانه لن يتسني وقفه او التراجع عنه ، وامهله بعض الوقت ليعيد التفكير في قراره علي امل تغييره ، لكن الرئيس عبدالناصر لم يقبل بنصيحته واصر علي موقفه وكان له في النهاية ما اراده، او بالاحري ما اراده السوفيت لانه لم يكن لمصر مصلحة في سحب هذه القوات الدولية بالصورة المفاجئة والمتسرعة التي تمت بها هذه العملية التي لم تاخذ حقها الكافي من الدراسة والتدقيق في عواقبها ومضاعفاتها الامنية المحتملة.. ولكن كان للسوفيت حساباتهم وكانوا في عجلة من امرهم.. وكانهم كانوا في سباق مع الوقت.

وفي هذه الاثناء اعلن الرئيس عبدالناصر حالة التعبئة العامة ، وقام بتحريك اعداد كبيرة من القوات المسلحة الي سيناء ، وجاء رد اسرائيل علي هذا الاجراء باعلان التعبئة العامة لقواتها هي الاخري في ١٩ مايو١٩٦٧ ، لتسود اجواء الحرب بهذا التصعيد المتبادل بين مصر واسرائيل.. ثم تصاعد الموقف بصورة اخطر مع قرار الرئيس عبد الناصر اغلاق مضيق تيران في وجه الملاحة الاسرائيلية واعلانه ان خليج العقبة يدخل ضمن مياه مصر الاقليمية، وهو ما كان بعني قرارا باعلان مصر الحرب علي اسرائيل.. وكان هذا يعني ان الحرب واقعة لا محالة.. وان المنطقة مقبلة علي كارثة..وان العد التنازلي لها قد بدأ.

ونلاحظ هنا وقبل نشوب الحرب بعدة ايام ان السوفيت وفي تحول مفاجئ لم يكشفوا عن اسبابه ، اخذوا يبعثون للرئيس عبد الناصر برسائل تحذيرية عديدة يحاولون فيها وقف اندفاعه نحو الحرب التي كانت قد اصبحت في حكم المؤكدة ، ومن ذلك مناشدتهم القيادة المصرية خلال زيارة وزير الدفاع شمس بدران لموسكو بضرورة توخي الحذر في التعامل مع الموقف المتدهور علي طول خطوط المواجهة لان الحرب اذا ما نشبت فلن تكون امراسهلا، وسوف تكون لها تبعاتها الثقيلة، ولم ينقل المسئول المصري بحكم مسئوليته كوزير دفاع في ظروف حرب ما سمعه منهم هناك في موسكو الي الرئيس عبدالناصر لكي يعيد تقييم الموقف ويراجع قراراته ان كان هذا ما يزال ممكنا... وما قاله السفير المصري في موسكو وقتها الدكتور مراد غالب عن حماقة هذا الوزير وعن سطحيته واستخفافه بما سمعه منهم في الكرملين كان يكفي للاطاحة به َومحاكمته عليه وليس ادانته فيما بعد بتهمة التآمر علي الحكم لصالح المشير عامر ومجموعته.. لكن الامور كلها كانت قد خرجت عن السيطرة.. ولم تعد هناك خيارات اخري غير الحرب يمكن للرئيس عبد الناصر التصرف بها.

لقد تحرك في هذه الازمة من البداية الي النهاية في مسار لم يكن لينتهي به الا الي هذه النتيجة.. وهو ما سوف نناقشه فيما بعد. اما التحذير الآخر فهو الذي نقله السفير السوفيتي في القاهرة اليه فجر السابع والعشرين من مايو بناء علي توجيهات صادرة اليه من الحكومة السوفيتية تطلب فيها من الرئيس عبد الناصر الا يكون البادئ بالضربة الاولي في هذه الحرب ، وهو ما دمر له خططه وقلب له توقعاته واربك له حساباته ونقله من موقف الاستعداد للهجوم الي وضع الدفاع ومحاولة استيعاب صدمة الضربة الاولي ، وهو ما ادي فيما بعد الي تدمير السلاح الجوي المصري عن آخره وهو رابض علي الارض داخل القواعد الجوية والمطارات في كارثة عسكرية لم يسبق لها مثيل، وكان لهذا التوجيه السوفيتي الصادر من الكرملين بلغة اقرب الي الامر منها الي المعلومة التي للرئيس عبدالناصر حق قبولها او رفضها ، الذي جاء متاخر جدا عن وقته الذي كان يجب ان يبلغ فيه، الدور الاكبر في حدوث ما حدث .. ثم اين كان الاتحاد السوفيتي بجهوده الدبلوماسية طيلة الازمة وهو يري الامور تتجه نحو كارثة ان لم يتم تداركها قبل فوات الاوان ؟ وهل كان بحاجة لان ينقل عن الرئيس الفرنسي شارل ديجول تحذيره الذي صدر عنه بانه لن يقف الي جانب من يبادر من الطرفين بالضربة الاولي في هذه الحرب ، وهو الذي كان يمسك بيده بمعظم مفاتيح هذه الازمة من بدايتها وحتي قرب نهايتها ؟ ولماذا ساند ديجول في تحذيره ولم يحاول ان يتبني موقفا مستقلا خاصا به يوفر به علي مصر بعض هذا التخبط والارتباك الذي كان هو السبب فيه بضغوطه والحاحاته المستمرة عليها لدفع الامور علي طريق التصعيد دون ان يترك لها فرصة لالتقاط الانفاس ، وهي التي كان جانب كبير من قواتها المقاتلة كانت ما تزال تخوض حربا ضارية في اليمن ولم تكن مصر في وضع يتيح لها خوض حربين علي جبهتين كبيرتين في وقت واحد ، واحدة في اليمن والاخري ضد اسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة الامريكية اكبر قوة عسكرية في العالم ؟ وهل كان هذا كله غائبا عنه وهو يواصل تصعيده للازمة الي ان وصل بها الي نقطة الحرب التي غيرت التاريخ والجغرافيا معا كما قالوا عنها .؟

اما عن لماذا حدث كل هذا ، وبهذه الصورة المفجعة والمروعة ، وما هي مسئولية الاتحاد السوفيتي عنه ودوره فيه، فان لهذا حديث آخر في رسالتنا القادمة ...