العالم
مقتل «أبو عبيدة» صوت القسام.. رحلة أيقونة إعلامية أرّقت إسرائيل لعقدين
رغم أن اسمه الحقيقي وصورته بقيا طيّ الكتمان لنحو عقدين من الزمن، فإن صوته وحده كان كافيًا ليُربك إسرائيل ويؤرق مؤسساتها العسكرية والأمنية، حتى أصبح هدفًا دائمًا على رأس قائمة الاغتيالات. إنه «أبو عبيدة»، الناطق العسكري باسم كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، الذي تحوّل إلى أيقونة إعلامية للمقاومة الفلسطينية وصوتٍ حاضر بقوة في معادلة الحرب والرواية.
ومساء الاثنين، أعلنت كتائب القسام مقتل أبو عبيدة، كاشفة للمرة الأولى عن اسمه الحقيقي وصورته، وهو حذيفة سمير عبد الله الكحلوت، مشيدة بدوره المحوري في قيادة المنظومة الإعلامية للقسام، ونقله مجريات معركة «طوفان الأقصى» إلى العالم، وما وصفته بـ«بطولات مجاهدي غزة».
وعلى مدار قرابة 20 عامًا، لم يكن «أبو عبيدة» مجرد متحدث إعلامي، بل تحوّل إلى رمز ارتبط اسمه بكل جولة تصعيد ومواجهة مع إسرائيل. وخلال عامين من حرب الإبادة على قطاع غزة، بات اسمه من الأكثر تداولًا، ليس فقط في فلسطين والعالم العربي، بل داخل إسرائيل نفسها، حيث كان الإعلان عن ظهوره يثير حالة ترقب واسعة لما يحمله من رسائل مصيرية تتعلق بالحرب أو الهدنة أو تبادل الأسرى.
واكتسب أبو عبيدة توصيفات عديدة، أبرزها «صوت غزة» و«صوت المقاومة»، لما اتسمت به بياناته من حدة، ومصداقية عالية، ولغة واثقة. وكان آخر ظهور مصوّر له في 18 يوليو 2025، أكد فيه استعداد الفصائل الفلسطينية لخوض «معركة استنزاف طويلة»، فيما جاءت آخر تدويناته على منصة «تلغرام» في 29 أغسطس 2025، متوعدًا إسرائيل بدفع ثمن احتلال مدينة غزة من دماء جنودها.
وُلد أبو عبيدة عام 1984 في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، ونشأ في أسرة فلسطينية محافظة، وتلقى تعليمه في مدارس وكالة «الأونروا»، قبل أن يلتحق بالجامعة الإسلامية في غزة ويحصل على درجة الماجستير في تفسير القرآن الكريم. ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، انضم مبكرًا إلى صفوف حماس وكتائب القسام، وتدرج في أدوار ميدانية وإعلامية.
وكان ظهوره الإعلامي الأول في أكتوبر 2004، خلال معركة «أيام الغضب»، حيث عقد أول مؤتمر صحفي للقسام معلنًا تطورات المواجهات مع الاجتياح الإسرائيلي. وبعد انسحاب إسرائيل من قطاع غزة عام 2005، تولى رسميًا منصب الناطق الإعلامي باسم الكتائب، ورئاسة دائرة الإعلام العسكري، مشرفًا على التوثيق والعمليات النفسية وإدارة المنصات الإعلامية.
ارتبط اسم أبو عبيدة بمحطات مفصلية في تاريخ الصراع، من أبرزها إعلان أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط عام 2006، ثم الإعلان عن أسر الجندي شاؤول آرون خلال حرب 2014، إلى جانب استعراضه المتكرر لأسلحة محلية الصنع وبقايا آليات إسرائيلية مدمرة.
وفي عام 2024، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات عليه، باعتبار نشاطه جزءًا مما وصفته بـ«دعم الإرهاب»، بينما اعتبر الفلسطينيون تلك الخطوة ملاحقة سياسية تضاف إلى سجل الاستهداف الإسرائيلي.
وبرغم إعلان إسرائيل اغتياله في 31 أغسطس الماضي، التزمت حركة حماس الصمت حينها، قبل أن تعلن رسميًا مقتله لاحقًا. وبذلك يُسدل الستار على مسيرة شخصية غامضة، لكنها تركت أثرًا بالغًا في المشهد الإعلامي والسياسي والعسكري الفلسطيني، ليبقى «أبو عبيدة» حاضرًا في الذاكرة كأحد أبرز رموز حرب الرواية والمواجهة مع إسرائيل.